نقل و توطين التكنولوجيا


همس مدانات
مدير تدريب الملكية الفكرية والقانون
أبو غزاله للملكية الفكرية
عضو المجمع العربي للملكية الفكرية

لقد بات امتلاك التكنولوجيا أمراً ملازما لحركة التنمية الاقتصادية نظراً لما يمكن أن تسهم به التكنولوجيا من زيادة لفعالية عناصر الإنتاج، رفع القدرة التنافسية للمنتجات المصنعة أو الخدمات المقدمة، وفتح المجال أمام الصناعات للدخول إلى أسواق جديدة أو قائمة.

ومما لا شك فيه أن السنوات القادمة ستشهد ازدهارا في قطاع نقل التكنولوجيا على الصعيدين العام والخاص، من وإلى المنطقة العربية، باعتبارها خياراً استراتيجيا وبديلاً لازماً عن امتلاك التكنولوجيا و تطويرها لاستغلالها تجارياً مادام المخزون المحلي يعاني عجزاً في التكنولوجيا القائمة. ولكن يقابل هذا الدور الفاعل لنقل التكنولوجيا، في دعم التنمية الاقتصادية وتطوير الصناعات والمنشآت المحلية، محظوراً لا يمكن تجاهله ألا وهو الوقوع في دائرة التبعية للشركات أو الجهات المالكة والمصدرة للتكنولوجيا إلى المنطقة العربية، وذلك لما قد تفرضه تلك الجهات من قيود تحد من حرية بل وقدرة الأطراف المتلقية للتكنولوجيا على الاستفادة منها الاستفادة الأمثل، ناهيك عن تطويرها، بما يبقي على علاقة التبعية والاعتماد على ما تقدمه تلك الدول لنا لا على ما نستطيع نحن أن نطوره، وما يترتب عن ذلك من فقد للقدرة الذاتية على تطوير التكنولوجيا والبقاء مستهلكين لا منتجين لها.

انطلاقا من الضرورة إلى درء هذا الخطر، باتت الجهود العربية تتجه إلى التوعية بضرورة العمل على توطين التكنولوجيا لا الاكتفاء بنقلها، وذلك من خلال دمج تلك التكنولوجيا في منظومة المعارف و التقنيات الموجودة أصلاً، ومواءمتها لاحتياجات البيئة المحلية بهدف الاستفادة منها وتطويرها إلى تكنولوجيا محلية جديدة أقدر على سد الاحتياجات المحلية و دعم التنمية الاقتصادية. أما توطين التكنولوجيا فهو غاية يتطلب تحقيقها المرور في عدة مراحل يترتب تحققها و نجاحها إحداها على الأخرى، ابتداء من الحصول على ترخيص بنقل التكنولوجيا وانتهاء بتطويرها، وصولاً إلى تكنولوجيا جديدة محلية.

1) إن أولى خطوات نقل وتوطين التكنولوجيا وأهمها هي استيرادها. وهي خطوة تتضمن ثلاث مراحل أساسية:

أ- التخطيط الاستراتيجي لنقل التكنولوجيا
إذا نظرنا إلى نقل التكنولوجيا استيراداً كبديل عن تطويرها ذاتيا، فمعنى ذلك أن استيراد التكنولوجيا هو من كل بد خيار استراتيجي يهدف إلى تحقيق غاية معينة؛ كزيادة حجم العمل أو تطويره، و/ أو رفع القدرة التنافسية للمنشأة و ما إلى ذلك من أسباب.
إن اتخاذ القرار باستيراد التكنولوجيا لا بد أن يأتي انعكاسا لدراسات متخصصة عدة وضمن خطة عمل إستراتيجية ترسم الخطوات العملية الكفيلة بتحقيق الهدف المرسوم والغاية المنشودة من نقل التكنولوجيا. ومن مثل هذه الدراسات دراسة السوق ودراسة الجدوى، اللتان تعطيان مؤشرات حول مدى جدوى ونجاعة المشروع المراد تشغيل التكنولوجيا به. ويأتي ذلك ضمن مؤشرات العرض والطلب، والمنافسة وقنوات التسويق والأسعار إضافة إلى الاستثمار المطلوب و مؤشرات مالية أخرى كالربح والخسارة المتوقعين. و تأتي هاتان الدراستان تماشيا مع دراسة القدرات الفنية والمالية والبشرية للمنشأة بحد ذاتها لتحديد مدى قدرتها على تشغيل تلك التكنولوجيا، وتحديد أي من هذه العوامل الرئيسية تمثل عائقا يواجه نقل التكنولوجيا، وذلك حتى يتم التغلب على هذا العائق وتمهيد البيئة اللازمة والمناسبة لنقل التكنولوجيا.
وعادة ما تلعب التشريعات المحلية دوراً في عملية نقل التكنولوجيا من حيث انطباقها على التكنولوجيا محل النقل؛ بفرض شكليات واجبة الاستيفاء أو بتقنين متطلبات النقل بما تفرضه القوانين والأنظمة المعمول بها من شروط ومتطلبات، كالحصول على ترخيص من جهة حكومية معينة أو خضوع التكنولوجيا لفحص من جهة أخرى لضمان موافقتها للمواصفات المحلية. وهذه بدورها تشكل شرطا لازماً لضمان حسن نقل التكنولوجيا.
ويشكل إيجاد الشريك الأنسب المالك للتكنولوجيا الأنسب، مرحلة من الأهمية بمكان يترتب عليها نجاح المشروع أو فشله، وهي بالتالي مرحلة تتطلب الكثير من البحث والتقصي ولربما اللجوء إلى قنوات بحث متخصصة قادرة على ربط الأقطاب المالكة للتكنولوجيا بتلك المستوردة لها. ويندرج تحت هذا المفهوم معايير عدة كمدى نجاح هذا الشريك أو تلك التكنولوجيا في بلد الموطن أو سواه، ملكية الشريك للتكنولوجيا ،الخصائص التقنية و مجالات التطبيق للتكنولوجيا، والحماية القانونية التي تتمتع بها التكنولوجيا.

ب- إبرام العقد
وإذا نظرنا إلى نقل التكنولوجيا باعتبارها استيراد (أو تصدير) مجموعة التقنيات والمعارف العلمية والعملية، وما يتصل بها من حقوق ملكية فكرية من جهة مالكة للتكنولوجيا إلى أخرى مستوردة لها، فمعنى ذلك أن نقل التكنولوجيا هو علاقة ورابط قانونيين يحكمهما عقد نقل التكنولوجيا (أو الترخيص) المبرم بين الطرفين والذي يحدد طبيعة هذه العلاقة والحقوق المترتبة لكل منهما والالتزامات الملقاة على عاتق كل منهما تجاه الآخر. وعادة ما يلجأ الطرف الأقوى في هذه العلاقة، وهو في الغالب الأعم الطرف الناقل للتكنولوجيا، إلى فرض بنود عقدية تعسفية الشكل والمضمون، لا يتيح ضعف المركز التفاوضي للمتلقي إلا قبولها، ولذلك فان صياغة العلاقة القانونية بين الناقل والمتلقي تتطلب معرفة ويقظة تقنية ومالية وقانونية للأطراف المحلية حتى لا تقع ضحية للناقل بما يفرضه من شروط. وعليه فان المفاوضة على عقد الترخيص يتطلب الالتجاء إلى أشخاص ذوي خبرة في التفاوض نيابة عنهم وصولا إلى بنود عقدية أكثر ضماناً لحقوقهم ومراعاة لمصالحهم، وعلى رأسها السماح لتلك الأطراف بإدخال تعديلات على التكنولوجيا المنقولة، حتى يمكن القول بإمكانية تطويرها تمهيداً لتوطينها.

ج- نقل وتشغيل التكنولوجيا
أما ثالث مراحل استيراد التكنولوجيا، بعد وضع خطة العمل الإستراتيجية و إبرام العقد، هي نقلها وتشغيلها بحسب ما جاء معها من تعليمات. وهو ما يستلزم توافر القدرات البشرية الكفيلة بتحقيق ذلك اعتمادا على ما يتوجب أن تقدمه الجهة الناقلة للتكنولوجيا من معرفة ودعم فني لازم لتشغيل التكنولوجيا على الوجه الأنسب.

2) ثاني خطوات نقل وتوطين التكنولوجيا هي تهيئه البنية التحتية القادرة على التعامل مع التكنولوجيا واستيعابها وصولاً إلى تطويرها وتوطينها.
وهي مرحلة ملازمة يتطلب تحققها التكاتف والتنسيق بين جهود البحث العلمي والدعم والتطوير المضطردين للمستلزمات العينية، للنقل من آلات ومعدات، والفنية من خبرات ومهارات عملية وعلمية لازمة لتشغيل وتطوير التكنولوجيا، وأخرى قانونية وإدارية قادرة على تنظيم المعاملات التجارية الخاصة بهذه التكنولوجيا. وهو ما يستدعي إعادة النظر بالأسس التعليمية التأهيلية والمناهج التدريسية لجعلها أكثر مواكبة للتطورات التكنولوجية العالمية، ومؤسساتية من أجهزة حكومية ومراكز بحث وتطوير علمية ورفدها بكافة الموارد والإمكانيات اللازمة لإجراء الدراسات البحثية والتطويرية، وأطر تنظيمية تعنى بتحديد وتنفيذ وتطوير السياسات البحثية والإنتاجية والمالية والتشريعات القانونية والتي أهمها منظومة قوانين الملكية الفكرية.

3) أما ثالث خطوات نقل التكنولوجيا فهي عمل مواءمة لما تم استيراده من تكنولوجيا مع خصائص واحتياجات البيئة المحلية.
وهي مرحلة تتطلب بطبيعة الحال استيعاب التكنولوجيا المستوردة ورفدها بالكثير من البحث والتطوير من أجل إحداث التحوير المطلوب؛ إما في التكنولوجيا لجعلها أكثر موائمة للبيئة المحلية، أو في عناصر من البيئة المحلية لجعلها أكثر تأقلماً مع التكنولوجيا المستوردة.
وسرعة الانتقال للمرحلة الثالثة هذه تتوقف على مدى البحوث التحضيرية قبل وأثناء الاستيراد التي تمكن من الاستيعاب السريع والإدارة الجيدة للتكنولوجيا بعد نقلها.

4) وأخيراً، بتكافل العناصر السابقة، العمل على إنشاء تكنولوجيا داعمة ومغذية وإنتاج بعض المعدات والآلات محليا وتطويرها بهدف الوصول إلى تطوير ما تم استيراده من مرحلة سابقة. وهي مرحلة ترتبط بمدى القدرة على الاستيعاب العميق للتكنولوجيا، والقدرة على تطويرها حتى نصل إلى مستوى إنشاء تكنولوجيا جديدة إما من خلال مزج مبسَط لما هو متاح أو إضافة جديدة تؤدي إلى خلق منتجات تكنولوجية مستقلة.
وتشكل هذه المرحلة البداية الفعلية لعملية توطين التكنولوجيا.

login