الاجتماع السنوي السابع لمؤتمر الأمم المتحدة النموذجي في عمان


عمان 2008
19 – 24 تشرين ثاني 2008


الجلسة الختامية
"المخاطر المستقبلية على الأمن والسلام"

طلال أبوغزاله
الرئيس والمدير التنفيذي لمجموعة طلال أبوغزاله
www.tagorg.com
نائب رئيس مجلس إدارة الاتفاق العالمي للأمم المتحدة، نيويورك
www.globalcompact.org
رئيس مبادرة الأعمال لدعم المجتمع المعلوماتي – غرفة التجارة الدولية – باريس
www.iccwbo.org
نائب رئيس التحالف الدولي لتكولوجيا الاتصالات والمعلومات
www.un-gaid.org
عضو المجلس التنفيذي، غرفة التجارة الدولية، باريس
www.iccwbo.org


لقد شهد القرن العشرون "حربين عالميتين" وما لا يحصى من الحروب الكبرى الأخرى، والكثير من أعمال الإبادة الجماعية والكوارث الطبيعية والتي صنعها الإنسان والمخاطر التي تهدد وجود الحضارة الإنسانية؛ فقد كان القرن العشرون قرنا مرعبا وعصيبا على الجنس البشري؛ بدءا بالحرب الباردة وتوازنها السياسي الطبيعي للدمار الحتمي المتبادل، مرورا بتشيرنوبل ووصولا إلى الحروب العراقية الأمريكية. ومن المخيف أن نتصور ان القرن الحادي والعشرين، رغم اختلافه الشديد، سيكون بنفس السوء إن لم يكن أسوأ من حيث الضرر الذي سيلحق بالمجتمعات الإنسانية.
وإذا نظرنا إلى المستقبل نجد أننا نملك مصادر قوة فريدة من نوعها في القرن الحادي والعشرين، مع بروز بعض التحديات الكبرى التي لم يعرفها القرن الماضي أو كانت أقل حدة فيه. ومن أبرز مصادر القوة التقنية. فقد دفعت تقنية الاتصالات والمواصلات التوجه نحو العولمة التي تجسدت كتجربة جديدة وعصرية وإن كانت لها جذور في الماضي البعيد. وإذا كانت تقنية المواصلات (في الجو والبحر والبر) قد شهدت الكثير من التطور فإن تقنية الاتصالات والمعلومات هي التي جعلت من عالمنا قرية عالمية. فقدرة الأفراد على التواصل المباشر بالصوت والصورة على مستوى العالم جعلت العالم أصغر وأكثر ألفة. فقد أتاحت للمجتمعات أن تتسع لتضم قارات بأكملها (مثل: فيس بوك Facebook وماي سبيس Myspace ويوتيوب Youtube وويكيبيديا Wikipedia إلخ). كما سمحت للأفراد بتبادل المعلومات عما يحدث في العالم مباشرة، مما قد يكون له أثر إيجابي.
وقد يتساءل المرء عن المنحى التاريخي لو أن المدونين ومن يعرضون مقاطع الفيديو على يوتيوب وثقوا آلية المحرقة النازية عام 1938 او 1939 ورأى العالم ذلك الرعب قبل أن يتم بهذا الحجم؛ لعل يهود اوروبا كانوا سيغادرونها بأعداد أكبر إلى مناطق أخرى من أوروبا وليس إلى فلسطين. كما قد يتساءل المرء عما لو كان بإمكان مصادر تقنية الاتصالات والمعلومات المتاحة اليوم أن تبدد تردد حكومات اوروبا وأمريكا في التدخل لوقف الإبادة الجماعية في رواندا أو غيرها من أعمال الإبادة الجماعية الكثيرة التي حدثت. فلو كان شعب التوتسي الرواندي يملك كاميرات الفيديو ويوتيوب وفيس بوك فلربما تحرك العالم ولم يجلس مكتوف اليدين.
ولاشك ان لتقنيات الاتصالات والمعلومات التي لعبت دورا مهما في التطورات الاجتماعية والاقتصادية، دورا تلعبه كذلك في الحد من الأخطار التي تتهدد الأمن والسلام اليوم وغدا. وكما لعبت تقنيات الاتصالات والمعلومات دورا رئيسيا في تحسين السلوك القتالي، فإن لها دورا كذلك في تفادي الصراعات وإنهائها والتخفيف من حدتها ومعالجتها. غير أن التقنية تظل، رغم كل التقدم الذي تجلبه، سلاحا ذا حدين، ولم يتضح بعد ما إذا كان البشر سيكونون الرابحين أو الخاسرين في سباق الجنس البشري لإخضاع الطبيعة.
إن الأخطار التي تتهدد سكان العالم أخطار رهيبة. فهناك العديد من الأخطار المتشابكة التي تجعل من الصعب على المرء أن يعرف من أين يبدأ بإحصاء المشاكل. ومما يزيد الأمر صعوبة أن الأخطار التي تهدد الأمن والسلام متشابكة يغذي بعضها بعضا. فالسبب والنتيجة من التعقيد بحيث يصعب حتى على عالم حائز على جائزة نوبل يستخدم أحدث التصاميم أن يضع مخططا بيانيا لها. ولنلق نظرة على بعض القضايا الرئيسية:


1- التغير المناخي العالمي:
‌أ- حسب ما قاله أل غور، النائب السابق للرئيس الأمريكي، "فإننا نقوم منذ مائة وخمسين عاما ، وبتسارع محموم، بإزالة كميات متزايدة من الكربون من الأرض – على هيئة فحم ونفط بشكل رئيسي – ونحرقها بطرق تقذف بسبعين مليون طن من ثاني أكسيد الكربون كل (24) ساعة في الغلاف الجوي للأرض. وقد ازداد تركيز هذا الغاز من (280) جزءا في المليون في بداية النهضة الاقتصادية القائمة على الفحم إلى (383) جزءا في المليون هذا العام، وهي النسبة التي لم يسبق لها ان زادت عن (300) جزءا في المليون خلال ما لا يقل عن مليون سنة. وكنتيجة مباشرة لذلك فإن العديد من العلماء اليوم يحذرون من كوننا نقترب من عدة "طفرات" قد تجعل من المستحيل علينا – خلال عشر سنين – ان نتفادى وقوع ضرر لا يمكن إصلاحه يمس صلاحية هذا الكوكب لاستمرار الحضارة الإنسانية.


‌ب- وحسب ما قاله روس جيلبسبان في مجلة الأمة في عام 2004 "ففي السنوات الأولى من التسعينيات أصرت جماعات الضغط الخاصة بالوقود الحجري على أن الاحتباس الحراري لا وجود له. وفي مواجهة النتائج الدامغة التي توصل إليها المجتمع العلمي، أقرت الصناعة بحدوث تغير مناخي ولكنه من الصغر بحيث يمكن تجاهله. وحين دلت الاكتشافات الجديدة على أن حجم التغير المناخي كبير قال المتحدثون باسم صناعتي الفحم والنفط وقتها أن الاحتباس الحراري مفيد لنا. غير أن الحجة الرئيسية التي أنفقت صناعتا الفحم والنفط ملايين الدولارات لتضخيمها على مدى العقد الفائت هي ان الاحتباس الحراري ظاهرة طبيعية لا يكاد يكون للبشر تأثير يذكر عليها. وقد فند كبار علماء المناخ العالميين هذه الحجة مرارا وتكرارا. وقد شارك ما يربو على (2000) عالم من (100) دولة على مدى الخمس عشرة سنة الماضية فيما يعد أكبر وأكثر تعاون علمي تمحيصا في التاريخ. كما وجدت اللجنة التابعة للأمم المتحدة عام 1995 أن هنالك "تأثيرا بشريا ملحوظا" على مناخ هذا الكوكب الذي تزداد حرارته.وخلص العلماء بذلك إلى القول بأن حفظ استقرار مناخنا يتطلب من البشرية أن تخفض من استخدامها للفحم والنفط بنسبة (70) في المائة خلال فترة وجيزة".


‌ج- ينص دليل الطاقة في المبادرة العالمية للتغير المناخي لعام 2007 على أن "الصين ستحتاج في المستقبل القريب إلى أن تزيد قدرتها على إنتاج الكهرباء بأكثر من (130) جيجا واط، أي ما يزيد على إجمالي القدرة الكلية الحالية في الولايات المتحدة. وما يزال الفحم هو الوقود الأساسي لتوليد الطاقة. والفحم أقذر أنواع الوقود من حيث انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري؛ ويبدو أن التعويض عن النمو الهائل في الصين والهند وغيرهما من الاقتصاديات الصاعدة يمثل تحديا لا يمكن التغلب عليه.


د‌. يبدو أنه من انعدام الإحساس إن لم يكن من غير الأخلاقي الطلب من الاقتصاديات الناشئة البقاء "في جهل" بدلاً من المساهمة في غازات الاحتباس الحراري. عموماً، استخدم الغرب الطاقة القائمة على الكربون لبناء قدرة صناعية. ومع ذلك، على الأرجح أن تدفع الدول النامية ثمناً غير منصف لآثار تغير المناخ.


هـ. نصت اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة بتغير المناخ على: "من المتوقع أن يعاني ملايين البشر، على مدى العقود القادمة، خاصة في الدول النامية نقصاً بالماء والغذاء ومواجهة مخاطر جسيمة على الصحة والحياة نتيجة تغير المناخ.


02 ذروة البترول – انعدام الأمن في الطاقة


أ‌. يجمع معظم الخبراء على استخراج البشرية (أو أنها ستستخرج في غضون السنوات القليلة القادمة) لأكثر من 50% من نفط العالم المتوفر؛ بالوقت الذي ساور الناس بالماضي قلق نضوب النفط، تمت الإشارة إلى أن الضرر الحقيقي سيبدأ عندما يصل الإنتاج ذروته المحتومة، حيث ستنخفض بعدها الكمية المستخرجة بشكل مستمر مع ارتفاع بتكاليف الاستخراج، مع ازدياد الطلب العالمي بصورة مضطردة في نفس الوقت. لا بد من تجاهل الأسعار المنخفضة الحالية. فالنفط ظاهرة جيولوجية وان خمس أو عشر سنوات ليست قضية في معيار التاريخ. وسيشهد القرن الحادي والعشرون اضطرابات رئيسية نتيجة انعدام الأمن في الطاقة ما لم يتم إيجاد بدائل.


ب‌. من الواضح أن التهديد نابع من الحرب من أجل النفط. نعم.... لكن هذا وقع بالفعل. ففي الوقت الذي لا يزال بإمكانك إيجاد من يعتقد ويؤمن بأن الحروب الأمريكية العراقية، سواء الحرب العراقية الأولى أو الحرب العراقية الثانية كانت من أجل سيادة الكويت وأسلحة الدمار الشامل وإقامة الديمقراطية في الشرق الأوسط أو أي أمر خيالي آخر، فكل من لديه صورة واضحة عن السياسة العالمية الحقيقية يدرك أن القاسم المشترك هو النفط؛ فالعراق يتربع على ثاني أغنى احتياطي نفط في العالم.


ج. قد لا تكون أمريكا التي تحارب من أجل النفط هي الخطر الوحيد في العالم مستقبلاً.


03 انعدام الأمن المائي.


أ‌. بينما تعتبر قضية انعدام الأمن في الطاقة من أكثر التحديات مناقشةً، فعلى الأرجح أن يؤدي انعدام الأمن المائي إلى حروب وصراعات في القرن الحادي والعشرين.


ب‌. يتصل انعدام الأمن المائي ويتفاقم بتغير المناخ، والنمو السكاني ونقص الطاقة.

 
ج. التحديات الأساسية المتعلقة بالماء موجودة في كل قارة إذ تواجه كل من آسيا وأفريقيا تحديات مائية كبرى، أما في الشرق الأوسط الأكثر كثافة من حيث السكان فنجد أن مصر تعتمد في تلبية الاحتياجات المائية لـ 81 مليون انسان على مصدر واحد هو نهر النيل مع توقع استمرار النمو السكاني بمعدل عالٍ يصل إلى مليون ونصف في السنة. لقد هددت مصر جيرانها الذين يشاركونها نهر النيل في أفريقيا بالحرب إذا استخدموا الماء المخصص لها وللسودان بموجب معاهدة استخدام مياه نهر النيل والتي تم توقعيها عام 1929 إبان الحكم البريطاني.


د. يعتبر نهر الأردن موضوعاً من المواضيع الساخنة أيضاً إذ يكافح كل من الإسرائيليين والأردنيين والفلسطينيين والسوريين واللبنانيين للحصول على حقوقهم المائية في بيئة تعاني من الجفاف.


4. النمو السكاني


أ- يعتبر الاكتظاظ السكاني والنمو السكاني المتزايد من العوامل التي تزيد الوضع تفاقماً والتي تزيد من حدة التحديات المائية في الطاقة والاقتصادية.


ب- حققت الدول المكتظة بالسكان مثل مصر تغيرات بنيوية كبيرة وأخرى متعلقة بالسياسة أدت إلى تقدم اقتصادي مستدام برهنه النمو في الناتج المحلي الإجمالي إلا أن النمو السكاني أدى إلى انخفاض حصة الفرد من الناتج المحلي الإجمالي.

 
5. البطالة/ الاضطراب الاجتماعي والسياسي


أ- تعتبر البطالة نتيجة مباشرة من نتائج النمو السكاني الذي أفلت من عقاله كما أن البطالة تتأثر أيضاً بالآثار المتعلقة بالطاقة والتي تعتبر آثاراً اقتصادية.


ب- تؤدي البطالة إلى اضطراب اجتماعي يؤدي بدوره إلى اضطراب سياسي يعمل على زيادة الاضطراب الاقتصادي مما يؤثر نهاية المطاف على الاستقرار البيئي فينتج عن ذلك حلقة مفرغة.


6. الانتشار النووي


أ- يحن العديد من القادة والجنود القدامى من حقبة الحرب الباردة بين المعسكر الغربي والشرقي إلى تلك الأيام والتي كانت تنذر حينها بوقوع معركة نهائية طاحنة يمكن أن تشتعل في أية لحظة، وصحيح أن درجة التهديد أقل في يومنا الحاضر إلا أنها أكثر إثارة للفزع إذ أن انتشار الدراية العلمية ووجود النوايا المبيتة يجعلان احتمال قيام تهديد نووي إرهابي مسألة وقت فقط.


ب- لا يقتصر تهديد الإرهاب النووي على أوروبا وأمريكا فقد كان أثره الأشد في السنوات الأخيرة على الدول النامية مثل باكستان والهند وأفغانستان والعراق والأردن ومصر ...إلخ.


7. الاضطراب البيولوجي: الأوبئة والأمراض والفيروسات القاتلة


أ- يتوقع العلماء انتشاراً وشيكاً للأوبئة الكبرى وهو أمر مألوف بالنسبة للأوساط العلمية بحيث أنه أصبح مسألة وقت فحسب ليجر وباءٌ عالميٌ اضطراباتٍ اقتصادية واجتماعية على العالم.


8. اضطراب الاقتصاد العالمي


أ- يأتي مصطلح اضطراب الاقتصاد العالمي كتلطيف لغوي فحسب، فهو مرادف لمعاناة إنسانية لا يمكن تخيلها فالأوبئة ونقص الطاقة والمياه وتغير المناخ العالمي والإرهاب النووي أو الذي يستخدم أسلحة الدمار الشامل كلها أسباب محتملة للاضطراب الاقتصادي.


ب- لعب الاضطراب الاقتصادي دوراً تاريخياً في نشوء التطرف السياسي والتطرف الديني والحروب والإبادة الجماعية، ومن المرجح أن تؤدي جميع تحديات القرن الواحد والعشرين إلى اضطراب اقتصادي وإلى معاناة أيضاً.


9. انعدام المساواة الاقتصادية


أ- ليس المهم ما تفعله وإنما المكان والزمان الذين ولدت فيهما ومن هما والداك.


ب- هناك مقولة قديمة تقول "ما هو الفرق بين الركود والكساد؟ الركود هو عندما يكون جارك عاطلا عن العمل، أما الكساد فهو أن تكون أنت عاطلا عن العمل". ويحكم الكثير منا على الأمور بأنها في تحسن أو في استياء بناء على أوضاعنا الشخصية. لكن إذا حكمنا على الأمور وفقا للوضع في معظم أرجاء العالم فانه غاية في السوء. فمعظم الناس في العالم في يعيشون أوضاعا مزرية والبيئة المادية والاقتصادية تسير من سيء إلى أسوء. ومن الصعب تحقيق السلام والأمن في وجه انعدام المساومة المخيف.


ج- يحقق تحرير التجارة ومبادرات التنمية نجاحا في تقليص عدم المساواة. وليس هناك شك في ذلك. فالدخل بالنسبة لعدد كبير من الناس في الصين والهند والشرق الأوسط وأمريكا الجنوبية وحتى في إفريقيا في تزايد. غير العديد من الناس تخلفوا عن الركب، ويعزى هذا الأمر جزئيا إلى أعدادهم الضخمة المستمرة في التزايد.


د- وفي الوقت الذي بذل فيه فقراء العالم قصارى جهدهم للخروج بأنفسهم من دائرة الفقر، فإنهم ألقوا بأنفسهم في جحيم بيئي هائل. ولربما هو جحيم وضع حجر الأساس له في الدول المتقدمة، غير أن بناءه سيكتمل عند فقراء العالم.


إن المخاطر الحالية التي تهدد السلام والأمن تشكل "العاصفة الكاملة". ومن الأرجح أن تعيش البشرية بعد هذه العاصفة، لكن السؤال الذي يواجهنا هو هل ستبقى الحضارة الإنسانية كما نعرفها اليوم

login