حوار الذاكرة مع السيد طلال ابو غزاله: الكيان الصهيوني الغاصب سجل براءة اختراع واحدة 'صناعة وممارسة الارهاب'.. والفضوليون لا يقذفون الحجارة الا على الاشجار المثمرة
مدير المجمع العربي لحقوق الملكية الفكرية في حوار مع 'القدس العربي' الكويت تعني لي الكثير انها قاعدة الانطلاق الى الحياة الحقيقة
27/10/2008
لندن ـ 'القدس العربي' اجرت الحوار: لينا ابو بكر: يافاوي الميلاد ولد في 22 نيسان (ابريل) عام 1938 ، فلسطيني الذاكرة، قضى طفولته في يافا لعائلة ميسورة الحال، تملك منزلا لا يزال قائما حتى الآن يحمل اسم اصحابه كوشم على باب لم يزل مفتاحه في حوزة ملاكه الاصليين، كدليل ثبوتي على جريمة الترانسفير القسري، وجد نفسه وعائلته في عرض البحر يستقلون مراكب للشحن ويرحلون الى ضفاف نائية لن تعيدهم حتى الساعة الى موطئ الذاكرة الاولى.
من ذاكرته طفلا لاجئا في بلدة الغازية ـ لبنان، الى كونه علما من اعلام الفكر في العالم، ترأس العديد من اللجان والمجالس الدولية التي كان اخرها نائب رئيس مجلس ادارة الاتفاق العالمي للامم المتحدة ـ نيويورك، نال عددا من الشهادات الفخرية والاوسمة على اعلى المستويات، منها وسام الجمهورية التونسي، ووسام الاسقلال الاردني، ووسام جوقة الشرف الفرنسي برتبة فارس، ويملك العديد من الشركات الناجحة التي تتعلق بحماية وتسجيل حقوق الملكية الفكرية.
يروي السيد طلال ابو غزاله حكاية الارتباط بالذاكرة الام بكل ما جادت به من التحديات التي سار بها الى درب النجاح عبر رحلة صمود فذة رسخ فيها هويته الفلسطينية وشحن العزيمة بالايمان بحق العودة وشرعية الحياة لشعب مارس المشروع الصهيوني بحقه اكبر جريمة انسانية منذ النكبة تمثلت بتشريد ستة ملايين فلسطيني منهم 4.5 مليون لاجئ مسجلين لدى الاونروا ليحتل اللاجئون الفلسطينيون مركز الصدارة على مستوى اللجوء العالمي.
وفي ما يلي نص الحديث
ـ كيف تستحضر ذاكرة المكان الاول 'يافا' ؟ يافا بيت الميلاد والطفولة، بيت الانتماء الذي لطالما لمّ الشمل، انه الوطن الذي لطالما احتضننا وشكل كياننا ووجودنا وهويتنا، واحسسنا بقيمته اكثر وقد اغتربنا عنه وسلب منا، حدثني عن يوم الهجرة، كيف حزمتم امتعة الرحيل؟ متى توقعتم العودة؟
ـ كنت حينها على سطح المنزل، سمعت نداءات متواصلة بالميكروفون 'لسلامة العمليات الحربية، على جميع المواطنين مغادرة منازلهم وهجرة المدينة، لكي نقوم بعملنا الحربي ضد العدو' وتوالت النداءات مشددة على الاخلاء الفوري للمكان، اخذت امي مفتاح البيت فقط على اساس اننا راجعون خلال ايام، فما كان في الحسبان هو اننا نغادر خارج المنطقة لا خارج البلاد بأسرها، لان خروجنا دافعه حجة مؤقتة هو العمليات الحربية، التي جعلت منه اجراء سريعا، وانتقالا لمكان اكثر امنا ريثما تطهر الجيوش العربية المدينة من اليهود، لم نحمل معنا شيئا لان فكرة اللجوء من اصله لم تكن واردة ابدا، ولم يخطر ببال بشر اننا نغادر لاجئين، وجدنا العائلة كلها محشورة في ميناء والناس مدفوعين الى سفينة شحن وليست سفينة ركاب، واذكر ان جنودا كانوا يرحلون الناس، وسيارات تحضر للمكان وتقلهم وما كنا نعرف الى اين يتجهون بنا، وأعي ان اليهود كانوا مختلطين في يافا وتل ابيب مع العرب ويتكلمون العربية، لذا لم نكن نميز من كان يوجه لنا النداءات في الميكروفونات بشكل محدد، استطيع ان اخبرك بمجمل الامر ان يوم خروجنا من يافا كان يوم الخديعة الكبرى.
ـ كانت تتمتع مدينة يافا بوعي ثقافي وسياسي باعتبارها نواة النشاط الصحافي اثناء الانتداب البريطاني مما ميزها بالعمل الثوري، الا انه لم يحصنها من السقوط في ايدي الصهاينة، ما الذي كانت تحتاجه يافا حينها بتصورك؟
ـ يافا ككل مدن فلسطين، كانت ضحية الانتداب البريطاني والسياسة الاستعمارية، وربما كانت يافا تحتاج الى زمن اخر غير ذاك الزمن كي تكون اكثر حصانة، فكما تعلمين الوطن العربي كان خارجا للتو من الهيمنة العثمانية التي استمرت لقرون وشلت عصب التقدم الحضاري والوعي السياسي الكافي الذي يتماهى وتلك المرحلة، وكان البديل هو الذي انتقلنا به الى مرحلة النفوذ الاجنبي متمثلا بالقوة البريطانية العظمى التي مكنت اليهود من الاستيلاء على الارض وامدتهم بالاموال والسلاح ووفرت لهم الغطاء السياسي والشرعية الدولية من خلال وعد بلفور وفي الامم المتحدة، هذه المؤامرة الدولية حيكت في وقت كان الفلسطيني فيه يبحث عن البندقية والرصاصة ويبيع اغلى ما يملك للحصول على ما يمكنه من المواجهة المباشرة والدفاع المتاح، والفلسطيني بطبعه انسان يسعى الى الاستقرار والسلام الذي عكسته المجتمعات الفلسطينية آنذاك في مجالات عدة كالزراعة والصناعة والتعليم والتجارة وحركة الموانئ النشطة التي شهدتها يافا وحيفا مع الدول المجاورة... وربما هذا كله يفسر ندرة السلاح بين المواطنين مما اتاح للمؤامرة ان تكمل نصابها.
الوعي الفطري
اهم عناصر النجاح
ـ في يوميات الاسرائيلي يوسف فايس 'مدير شعبة الاراضي' يتحدث عن المعجزة الاسرائيلية بالترحيل القسري لما يزيد عن 15 الف نسمة وتدمير القرى واخلاء المدن من ساكنيها 'كما اورد كتاب الهولوكست الفلسطيني للدكتور نواف الزرو' فأية معجزة فلسطينية تتفوق على هذا النوع من المعجزات؟
ـ الصلابة والاصرار والعزيمة الفولاذية التي لم يزل يتسلح بها هذا الشعب بعد مرور تلك السنوات نحن لم ننصهر ولم نفقد هويتنا الام، ولم يؤثر علينا الشتات او يحبط من ارادتنا ، فلقد واصلنا تحصيلنا العلمي لاعلى الدرجات، بناء المؤسسات، انشاء وتربية نماذج صالحة للمجتمعات على امتداد الكرة الارضية تتجلى بالمفكرين والمبدعين والعلماء ورجال الاعمال والاقتصاد الخبراء، المهندسين الاطباء الاعلاميين والكتاب، اننا كفلسطينيين مشهود لنا اينما تواجدنا بالابداع والالتزام والامانة، اما المعجزة الاكبر فتتمثل بالوعي الفطري والموروث لدى ابناء الاجيال الفلسطينية التي لطالما كان الرهان عليها بنسيان القضية، هذه الاجيال بلورت مفهوما معجزا للنضال الفلسطيني على مر العصور، تحقق من خلال معادلة اسطورية رسخها اطفال الحجارة في مواجهة المدافع والدبابات فأية معجزة اكبر؟
ـ تضم الى موقعك الالكتروني ريشة ناجي العلي، هل التقيته شخصيا؟ وبماذا تتشابهان؟
ـ لناجي العلي رحمه الله منزلة محببة في نفسي، هو صوت الامة، كنت التقيه في الكويت دائما حيث رحلتي الاولى مع مشروعي الفكري، وكان هو حاضرا برسوماته وروائعه الفنية يوقع باسم الملايين افكاره المتقدة معبرا عن الام وهموم المواطن العربي، وقد كانت اخر صفحة هي اول ما نفتتح به صباحاتنا لنرى ماذا يحمل لنا حنظلة من حكايا، لقد انتمينا الى الحقيقة معا الى الوطن، وكنا اذ نتحدث عن فلسطين نبدأ من البحر حيث يافا وحيفا وعكا والناصرة والجليل مرورا بغزة والضفة وصولا الى النهر الخالد، ليوحدنا حلم العودة كحق مصيري، والايمان بأن هذا الكيان الغاصب الذي يعيش بيننا بشرايين خارجية لا بد زائل، وكما رايت فان ما اكرمني به من رسومات خاصة بي، ضممته الى موقعي الالكتروني وهي من اعز ما لديّ من تراث.
ـ حياتك في المخيمات، كيف ربطتك بذاكرتك الفلسطينية؟ هل لك ان تصف لي شقاء اللاجئ احلامه خيباته ارادته؟
ـ حقيقة انا لم اعش في مخيم فبعد هجرتنا الى لبنان استضافنا تاجر لبناني وهو احد اصدقاء والدي، له تعامل تجاري معه، استضافنا في بلدة الغازية قرب صيدا ووفر لنا الدعم اللازم، لقد كانت الغازية والجنوب ولبنان نموذجا عن الضيافة العربية والخلق العربي وتأكيدا للقومية العربية.
بطبيعة الحال اختلفت الحالة المعيشية بعد الهجرة، ومع ذلك فلقد كانت حالتنا افضل بكثير ممن قطنوا المخيمات التي تعاني من عدم توافر الخدمات والبُنى التحتية!
ترين تجمعات من البشر في ظروف صعبة داخل الخيام تقتلعها الرياح وتغمرها المياه شتاء، تفتقر الى الحد الادنى من مقومات الحياة لبني البشر، عداك عن الظروف الاقتصادية لارباب الاسر، فلم تكن الوظائف متوفرة لهم، يعيشون هم وعائلاتهم بانتظاراخر الشهر لاستلام ما تجود به هيئة الاغاثة وتشغيل اللاجئين (جزء من المؤامرة الدولية) والطحين، الزيت، وبعض المواد البسيطة.
واتذكر ان والدتي كانت تخيط لنا الملابس والمعاطف من الحرامات التي كانت توزعها هيئة الاغاثة، ثم اننا كنا نخرج الى الجبل لكي نقطف الزعتر البري لعشائنا، كما اذكر انني كنت امشي الى المدرسة يوميا في صيدا ساعتين من الزمن ثم اعود منها الى الغازية بنفس المدة، فكانت الاربع ساعات مشيا من اليوم نعمتي الرياضية وان كانت تلك النعمة اجبارية تبعا للظروف القاسية.
اليوم تخطى اللاجئون شيئا من هذه الصعوبات، ولاننا شعب لا يعرف اليأس فان الخيام تحولت مع الزمن الى تجمعات سكانية بارادة استطاعت ان تقهر اللجوء، بتنظيم مظاهر الحياة وعدم الرضوخ للضياع والتشرد، وللزمن المؤقت ، فعمرت الحياة بمظاهرها المختلفة من زراعة وتجارة وبناء وتعليم واحتراف مهني، والان بعد مضي هذا الزمن تجدين ان المخيم كان بؤرة حياة لكثير ممن تخرج منه من قادة ومفكرين وشعراء وفنانين.
ـ المخيمات بصمة دامغة لجريمة الترانسفير القسري التي كان اول من نادى بها تيودور هرتزل نبي الصهيونية، كيف نحول المخيم من كونه وثيقة لجوء الى وثيقة عودة؟
ـ بداية، تكوين المخيم ومكوناته سيظل العلامة الفارقة في وجه العالم على الاجرام والظلم التاريخي الذي حاق بالشعب الفلسطيني وستظل المعاناة اليومية لابناء المخيم مؤشرا فاضحا على الظلم ووثيقة عار في وجه من مكنوا الصهاينة من احتلال البلاد، ولا يحتاج سكان هذه المخيمات الكثير للتذكير بحقهم في العودة، لان كل فرد من افراده شيوخا ونساء واطفالا ورجالا يصرون على العودة كحق وجودي.. ورهان زعماء الصهيونية على ان الزمن كفيل بمحو الذاكرة الفلسطينية اثبت فشله امام اجيال ترث القضية وتتشبث بها اكثر بعد كل نكسة، وانا فلسطيني احمل معي حقي وادعم تمسك شعبي بحق عودته - بموجب قرارات الامم المتحدة - بانشاء مجتمع فلسطيني على موقع خاص على شبكة الانترنت لجميع المتمسكين بحق العودة كاملا دون مساومة او شروط ودون بديل او نقصان، وبهذا نبتدئ معا باحالة المشروع الصهيوني باحتلال فلسطين الى النهاية.
ـ تركتَ الغازية وبيروت بعد انهاء المرحلة الجامعية - الى الكويت في هجرة اخرى، هل احسست انك تغادر فلسطين ثانية؟
ـ الكويت، هذه البلاد تعني لي الكثير، انها قاعدة الانطلاق الى الحياة الحقيقية، فكما احتضنتني بلدة الغازية في صيدا لاجئا، فان الكويت احتضنتني كمهني ، واقول بامانة ان رعاية هذا البلد وقادته له الفضل الكبير في بناء ونجاح هذه المؤسسة فمن الكويت كانت شعلة الانطلاق عام 1972. لا اخفيك ان الرحلة الى الكويت عام 1960 في بادئ الامر كانت معاناة حقيقية ، حيث وسائل الراحة لموظف صغير ومبتدئ مثلي لم تكن متوافرة ، واهمها مكيفات الهواء ، ولم تكن لدي الامكانية المادية لشرائها في بلد تصل فيه درجات الحرارة الى اعلى مسوياتها ، ومع ذلك كنت اعمل في المكتب لساعات طويلة تصل الى 18 ساعة.. هذه رحلة البدايات الصعبة.
باختصار انطلقت من مدينة الكويت اكبر مؤسسة مهنية عربية دولية، اصلها ومؤسسها لاجئ فلسطيني، وهي حاليا الاولى على مستوى العالم، في مجال حقوق الملكية الفكرية، وهناك استطعنا ان نحول قيادة مهنة المحاسبة في الوطن العربي الى الخبرة العربية، وهذا مرده الى ما وفره لي المسؤولون فيها من دعم وثقة وامكانيات، بل انني اقر بأن احد مقومات نجاح المؤسسة هو جذورها الكويتية.
ـ اعرف انه لديكم مشاريع لتوثيق التراث والتاريخ، فكيف تحمون حقوق الملكية الجغرافية المتمثلة بفلسطين على اعتبار ان الوطن فكرة وجودية؟
ـ في مواجهة القرصنة الصهيونية علينا تحمل الكثير في مجال التوثيق ومقاومة تغيير الاسماء والمسميات والحقائق وحماية الحقوق بما فيها المؤشرات الجغرافية بكافة الطرق القانونية والاعلامية، فالعدو الصهيوني متفوق على العالم بقرصنة الحقوق العقارية كما بالحقوق الفكرية، انه يقوم باستلاب واحتكار الهوية التراثية، على سبيل المثال الثوب التقليدي الفلسطيني الذي تحيكه ايادي امهاتنا الفلسطينيات يبيعه الاسرائيليون تحت اسم 'الثوب الاسرائيلي' ويتم تسويقه في امريكا وغيرها بناء على هذا الادعاء، ومثال آخر برتقال يافا الذي لطاما اكلته وشربت عصيره طفلا هناك فانه يتم تصديره على انه 'برتقال اسرائيل من يافا' لذا فانه من اجل جميع الحقوق المتعلقة بالجوانب الجغرافة العربية - وهي كثيرة وغنية لدينا ـ فان المجمع العربي لحقوق المكية الفكرية يعمل على بناء بنك معلومات يشمل كافة هذه الاسماء والمطالبة باحترام ملكيتها من قبل المجتمع الدولي، من خلال خطاب دقيق وواع ودولي يراعي اهم اسلحة الحروب وهي اللغة كما قال احد الفلاسفة.
ـ لطالما كان الخطر الديمغرافي احد اهم التحديات التي تواجه العدو في بسط النفوذ السكاني جغرافيا ان جاز التعبير- ولعل ما انطوت عليه وثيقة كينغ ـ 1976- من ضرورة التضييق على الفلسطينيين ساهم بتحقيق الهدف، الان وبعد تغير المعادلة الديمغرافية بنسبة 75.5 'للسكان اليهود مقابل ما نسبته 20.1 'من العرب، كيف نستمر في خوض صراعات غير متكافئة؟
ـ المعادلة الان تسير باتجاه الهدف المعاكس شيئا فشيئا، فها هم قادة الاحزاب وفئات المجتمع الصهيوني يعترفون بأن 'حلم كيانهم انتهى' ولم يساعد التوطين ولا عمليات استقطاب المستوطنين من انحاء الكرة الارضية في تثبيت خط سير المعادلة الديمغرافية حتى النهاية، لان ما يتم تصديره من احلام وردية الى مستوطنين في طريقهم الى ارض الحلم يتحطم على صخرة الواقع، ويستعيد اصحاب الارض الفلسطينيون حقهم من خلال التجذر بالمكان والانتماء الى تاريخ حقيقي يفرض حضوره عبر حقبة زمنية ممتدة من النضال الذي لم تنقطع انفاسه بل يتخذ صيغة مشروع ابدي يتغلب على كل المشاريع التي تعاكس اتجاهه باعتباره يستند الى حق وحقيقة، مشوار النضال المتواصل في سبيل حق العودة هو الضمان لتكافؤ المعركة.
خدم القضية الفلسطينية
من خلال عمله
ـ كيف تخدم مشاريعك الاخرى على تنوعها قضيتك الفلسطينية وشعبك؟
ـ اليوم نفخر بأننا اكبر مجموعة خدمات مهنية نحمل رؤية ورسالة وعلينا واجبات ومسؤوليات سخرنا برامجنا لها، خاصة في السنوات الاخيرة لبناء القدرات البشرية من خلال التدريب والتأهيل، ولدي ايمان راسخ بأن تحصين الانسان الفلسطيني بالعلم والتأهيل المهني اضافة الى وعيه وايمانه بقضيته هما عنصر اساسي للصمود واثبات الذات. وعليه فان المجموعة بادرت بتبني تأهيل آلاف المحاسبين من ابناء الضفة الغربية وقطاع غزة وتدريسهم ومنحهم شهادة محاسب مهني عربي معتمد (ACPA) واذكر انني اثناء معركة ـ جنين غراد ـ كما كان يحلو للراحل الكبير ابو عمار ان يسميها ـ كتبت له متقدما ببرنامج لتأهيل الف فلسطيني تحت الاحتلال لمادة محاسب قانوني عربي، لا تتصوري كم شعرت بالثقة بالمستقبل اذ جاءني ما يزيد عن مئة طلب من جنين وهي تحت القصف! هذا شعب لايهزم.. ثم ان مجموعتنا تساهم مع مكاتب هيئة الامم المتحدة لاغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين باقامة مركز لتاهيل الشباب والشابات في المخيمات واولها ابناء غزة في منطقة جرش في الاردن، وتدريبهم على مهارات استخدام الكبيوتر ومنحهم شهادة ابو غزالة كامبردج لمهارات تقنية المعلومات، والهدف اعدادهم لدخول سوق العمل ورعاية انفسهم وعائلاتهم، ونسعى الى نقل المبادرة الى مخيمات اخرى ذلك اضافة الى اسهامنا طيلة السنوات الماضية بدعم برامج فلسطين في جامعة الدول العربية.
ـ اسرائيل اي براءة اختراع تسجل اليها؟
ـ يُسجَّل لهذا الكيان الصهيوني الغاصب براءة اختراع واحدة عنوانها الرئيسي 'صناعة وممارسة الارهاب' وعناوينها الفرعية: الاعتداء على الاخرين، الاضطهاد، قتل الابرياء من الاطفال والنساء والشيوخ والمدنيين، مصادرة الاراضي، اقتلاع الاشجار، حرمان 11 الف اسرة من معيليها وابنائها 'اسرى السجون' واعتقال الطلبة، انتهاك الحرمات والشرائع الدولية.
ـ متى يشعر طلال أبو غزالة بالغربة ؟
ـ الغربة في أعماقي، ترافقني على الدوام كظلي، رغم أنني ابن لهذا الوطن العربي الكبير الذي احتضني إلا أن هنالك غصة مردها الحنين إلى وطن مسلوب أشتاق لاستنشاق رائحة البرتقال في بياراته والاستمتاع بزرقة بحره وألفة شواطئه، رغم كل ما حققته أنجزته إلا أن غربتي الحقيقية هي بعدي عن بيتي هناك في يافا المنزل الذي بناه أبي ومازال اسمه إلى الآن محفورا على الحجر والشارع المسمى 'أبو غزالة في يافا' مرابع الطفولة ،طقوس المجتمع الفلسطيني بما كان يسوده من تكافل وثراء اجتماعي لم يزل حنيني إليه حنيني إلى الجذور إلى الأصل ،أليست هذه هي الغربة؟
ـ ماذا ترث عن أبيك؟ وماذا تورث أبناءك منه؟
ـ ورثت عنه حبه للعمل والتزامه، كان يشرف على جميع أعماله بنفسه ، يستيقظ مبكرا ويتوجه إلى العمل وكان يقول: الأرزاق توزع قبل برزوغ الشمس' هذه الحكمة أستهدي بها إلى اليوم ويستغرب كثيرون أنني أصل إلى مكتبي في أي بلد قبل وصول الموظفين. واعمل حتى ساعات متاخرة ، ولا أتوقف عن العمل في العطل ، علمني أبي قيمة الارتباط العائلي وخاصة بالنسبة للفلسطينيين، الحنو المسؤولية تجاه الإخوة، علمني أن أحيا جادا ومثابرا على الداوم ووفيا لحق عودتي.
ـ كيف هي علاقتك بالزمن 'الوقت'؟ متى كان حليفك ومتى كان عدوك؟
ـ علاقتي بالزمن مركبة وفيها الكثير من التحدي والمحبة في الوقت ذاته ، أؤمن بأن لكل مرحلة من عمر الإنسان خصوصيتها وجمالها فمنذ الطفولة مرورا بالصبا والدراسة والعمل إلى تسليم الامانة كل له سعاداته ومتعته ، منذ الطفولة كان يرافقني هاجس الوقت كونه المادة الأغلى والأثمن والأكثر ندرة بين كل الثروات، ونضجت نظرتي إليه أكثر بمرور الزمن بحيث انه المادة الوحيدة الغير قابلة لإعادة الإنتاج أو الصنع، لذلك فإن كل دقيقة تمر تذهب إلى الغيب من هنا كان الوقت صديقي ومنافسي أيضا مما دفعني لإقامة توازن بين قبول انقضاء الزمن والسعادة بالانتقال إلى الزمن الذي بعده لاستجلاء متعة مختلفة، فالسلطة العليا للزمن باعتباره يحدد لنا مدة صلاحيتنا التي علينا الاستفادة القصوى منها.